قسم الفلسفة

المزيد ...

حول قسم الفلسفة

حقائق حول قسم الفلسفة

نفتخر بما نقدمه للمجتمع والعالم

21

المنشورات العلمية

212

الطلبة

0

الخريجون

منشورات مختارة

بعض المنشورات التي تم نشرها في قسم الفلسفة

((الرذيلة وأثرها على الفرد والمجتمع)) الزنا أنموذجاً (دراسة تحليلية من منظور إسلامي)

العلم مع الإيمان سبب في طهارة النفس من الدناءات، ونجاة المرء من المهالك الدنيوية والمحن الأخروية. تتفق أحكام الشريعة الإسلامية في حد الزنا مع الأحكام الوضعية في القصد الجنائي أو أصل الفاحشة أو جنس الفكرة، دون نوعها، فتتفقان على كون الشخص يعلم بأنه واقع شخصاً محرماً عليه، وجوهر الاختلاف بينهما، أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الشخص المحصن وغير المحصن كونهما ارتكبا الفعل، على اعتبار أن الفروج لها حرمة عامة وهي ليست ملكاً لأصحابها لهم حرية التصرف فيها مع من يشتهون، وجعلت حد الحرية ألا يضر الإنسان نفسه أو غيره على حدٍ سواء؛ إلا أن أحكام الشريعة الإسلامية تفرق بين حد الشخص المحصن وغير المحصن. لقوانين الوضعية لا تفرق بين المحصن وغير المحصن، ولا تعتبر المواقعة خارج إطار الزوجية زناً إلا إذا مست حرمة الزوجية فقط، وتري ألا يضر الفرد غيره فقط، واعتمدت في أحكامها على أسانيد عقلية أكثر من اعتمادها على أحكام الشرائع السماوية. إن ما جاءت به أحكام الشريعة الإسلامية لا تبطله أو تنسخه الأحكام الوضعية، لأن أحكام القوانين الوضعية، جعلت أحكام حد الزنا حقاً خاصاً للمجتمع في أغلب أحكامها، وبذا أبطلت كثيراً من أحكام الشريعة؛ وهذا الأمر يؤدي إلى انتشار الفساد في الأرض، وعدم صيانة الأنفس والحرمات في المجتمع. يجب إعادة النظر في بعض القوانين الوضعية الخاصة بأحكام حدود الزنا بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية بما يحقق استقرار المجتمع وتوازنه. إن أصاب الإنسان ابتلاء نظير معصية اقترفها فلا يلوم إلا نفسه، ولا مخرج له من ذلك إلا الرجوع إلى الله والصبر على البلاء، حيث لا ينفعه الجزع. ترتبط الأخلاق الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالإيمان، لأن الإيمان مصدر الإلزام الديني ـ العقدي ـ الذي يتوافق معه الإلزام الخلقي، ويدفع الإنسان إلى طاعة أمر الله تعالى، وينهاه عن إتيان المعاصي؛ إذ لا يجتمع الإيمان والمعصية في قلب المؤمن في آن واحد، وعلى هذا الأساس ربط الله سبحانه وتعالى ارتكاب فاحشة الزنا بانتزاع الإيمان من قلب المؤمن عند اقترافها؛ لكونه مفسدة تؤدي إلى مفاسد كثيرة. ثانيا: نتائج وملاحظات خاصة نسترشد من الدراسة الميدانية بالملاحظات والتوصيات التالية: القيم الأسرية داخل المجتمع لها انعكاس على سلوك الأبناء سلباً وإيجاباً، وذلك من خلال علاقة الآباء بأبنائهم، فأغلب القيم الأولى يتعلمها الأبناء من الآباء، وممن لهم اتصال بهم بشكل مباشر بالمجتمع المحيط، لهذا لابد من الاعتدال في التعامل مع الأبناء، مع الرقابة الأبوية وبالأخص في مرحلتي الطفولة والمراهقة. وضع استراتيجية عامة في المجتمع بهدف الاهتمام بالنشء، من خلال مناهج تربوية، وبرامج ثقافية واجتماعية، على المستويين الفردي والجماعي والمجتمعي، بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالمحيط الخارجي لها، ومنها المدرسة والمؤسسات التعليمية بشكل عام، والنادي والرفاق. . . إلخ. إضافة مادة للمقررات الدراسية، تحت مسمى" مبادئ الأخلاق" لطلاب الشق الثاني من مرحلة التعليم الأساسي، تدرس فيها أحكام وأسس العلاقات الأسرية وفق أحكام الشريعة الإسلامية، والقيم المثلي والفضائل الأخلاقية، وما يضادها من رذائل، كي يجتنب النشء السلوك الشاذ، لما يترتب عليه من أضرار نفسية وجسمية، واقتصادية واجتماعية. الإعداد الفني والمهني للمتعاملين مع مرضى الإيدز، والأمراض المعدية الأخرى في مجال العلاج والوقاية أو التعامل المهني، مثل الأطباء والعناصر الطبية المساعدة، والعاملين بالمختبرات الطبية العامة والخاصة، والمرشدين الصحيين والنفسيين والاجتماعيين، وأجهزة الأمن التي لها صلة بالتعامل معهم، ومؤسسات الإصلاح، والمؤسسات الاجتماعية والأجهزة القضائية، والمواطنين ممن لهم اتصال بالمرافق الخدمية العامة والخاصة، وحث الجميع على الأمانة والصدق والدقة في بيان المعلومات وانسيابها إلى الجهات ذات الاختصاص، مع تحميلهم المسئولية التامة في حالة الإهمال أو إفشاء المعلومات في غير وجهها، كاستخدامها لأغراض شخصية أو دعائية لا تتناسب مع طبيعة المهنة. وما لم يكن هناك فهم وقناعة بخطورة مرض الإيدز والأمراض المعدية المصاحبة له، فإن احتمالات انتقال العدوى من المصابين إلى الأصحاء أمر قائم. إبراز الأضرار الناجمة عن سوء التعامل مع بعض وسائل الإعلام، ومنها على وجه الخصوص؛ الكتب والمجلات الماجنة، وكذلك سوء استخدام، الأجهزة والوسائط التقنية الحديثة، ومنها الإذاعتين المسموعة والمرئية، والسينما، وشبكة المعلومات (الإنترنيت)، والهواتف المحمولة. . . ألخ؛ وذلك ببيان آثارها السلبية النفسية والعقلية، على أفراد المجتمع، ناهيك عن أضرارها الاجتماعية والإقتصادية. يجب أن يكون هناك تنسيق بين الهيئات العامة والخاصة بالمجتمع، وذلك بغية إيجاد ترابط وتكامل وتوحيد الجهود المبذولة من أجل القضاء على السلوك السلبي المنحرف عن قيم وأخلاقيات المجتمع؛ ومنها على سبيل المثال: أن يخضع المصابون بالمرض للاختبار الطبي المعملي، لمعرفة المدمنين للمخدرات أو المسكرات والمؤثرات العقلية، وتتبع من يشاركونهم في تعاطي هذه المؤثرات. الكشف على مثل هذه الحالات يحدد نسبة تفشي هذه الأوبئة في المجتمع للوقوف عليها ووضع برامج وقائية وعلاجية لها على المدى القريب والمستقبلي البعيد. بذل الجهود الشعبية والأهلية بإنشاء هيئات متخصصة، بتعاون ومساهمة الأقسام المتخصصة بالجامعات ومراكز البحوث العلمية والنقابات والروابط المهنية المتخصصة لدراسة وتشخيص العلل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع، ومن ثم اقتراح الحلول والتصورات العملية لمواجهتها، وتقديم التوصيات والمقترحات العامة لأخذ التدابير الوقائية بشأنها مستقلاً. إرشاد المصابين بفيروس العوز المناعي البشري: HIV بطرق التعامل مع غيرهم، ليبتعدوا عن السلوك المحفوف بالمخاطر، والذي يجنب الآخرين انتقال العدوى إليهم، وينبغي توجيه الناس على مختلف المستويات، إلى فهم السلوك العام الذي يجب ألا يمارسوه حتى لا يقعوا في مصيدة الإصابة بالمرض دون تعمد، ومحاولة إيقاف انتشار العدوى أو الحد منها على أقل تقدير، ببرامج الوقاية والتثقيف والإرشاد الصحي، لبيان كل ما يتصل بطرق العدوى، على مستوى الأفراد والجماعات، سواء منها الأسرية والأحياء السكانية، وجماعات النشاط أو جماعات العمل. . . الخ. يشعر المرضى بأنهم يحملون أسرهم ودويهم أعباء مادية كثيرة، بما ينفقونه عليهم من مبالغ مالية لا طاقة لهم بها، مقابل مصاريف العلاج بوجه خاص، ورعايتهم بوجه عام، وبالأخص عندما يشعر أفراد الأسرة بأن المريض ميئوس من شفائه، ويشعر المريض بأن المحيطين به يتحملون ضغوطاً نفسية سيئة، بما يتخذونه من احتياطيات وتدابير وقائية، خوفاً من انتقال العدوى إليهم، ومن الشواهد على ذلك ما قاله أحد المصابين بالمرض بعد أن طرد من العمل: (( إنك لا تعيش آلام الإيدز فقط، ولكنك تعيش منبوذاً من المجتمع. وحتى إذا متَّ فإنهم يرفضون تجهيز جك. ولا شيء يجعلك تشعر بالتعاسة أكثر من هذا )). تخصيص قسم إيوائي للمرضي، يتم فيه عزل المصابين بالمرض، يقدم لهم فيه العلاج الطبي والإرشاد والنصح، مع توفير الأدوية اللازمة للمرضى ورفع مستوى الرعاية الطبية والوقائية والإرشاد الصحي لأفراد المجتمع المحيطين بهم. إلزام من تكن له إقامة بالمجتمع من الأجانب أكثر من ثلاثة أشهر، إجراء كشف طبي على الأمراض الوبائية، في مراكز متخصصة تحت إشراف المجتمع. والمحصلة النهائية مما سبق، أنه عندما يدرك الإنسان قبح رذيلة الزنا والسلوك المشين الناتج عنها، بقلب مطمئن مغمور بالإيمان، يتيسر له السبيل لفعل النقيض منها، وهو الفعل الفاضل الحسن دون مشقة، بغض النظر عما تقتضيه الضرورة الأخلاقية أن يفعله، ودون أن يفكر فيما يترتب على الفعل من جلب المنفعة إليه أو دفع الضرر عنه، إن المؤمن بالله تعالى إذا طلب منه أمر دعت إليه أحكام الشريعة الإسلامية أو نهت عنه، امتثل إليه دون أن يسأل عن العلة أو السبب في ذلك. إن نفوسنا وأجيالنا الناشئة الفتية لأحوج ما تكون إلى التحصين بالإيمان القوي المتين الراسخ في النفوس، وإلى تعلم المزيد من الأدب والعمل بالآداب والأخلاق السامية من منهج الدين الإسلامي الحنيف. وفي الختام أقول: ها أنا ذا قد حاولت إصابة الهدف، فإن قاربت فقد استشرفت معالي الأمر بما وجهت إليه مما أردت، وإن لاح القصور مما ابتغيت، فالكمال لله وحده وعلى الله قصد السبيل، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدي بهديهم إلى يوم الدين.
سليمان حندي صالح سليمان(2008)
Publisher's website

فلسفة الفن في فكر العقاد

يمكن أن نجمل النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة عن الفن عند العقاد في النقاط الآتية والتي ستكون بمثابة اجابات عن الأسئلة التي طرحتها هذه الدراسة في بدايتها، والتي تشكل في مجملها فرضيات الدراسة في قضايا الفن وهي على النحو التالي: لقضية الأولى: العقاد وفن الشعر العقاد شاعر وناقد ومحلل فنجده يربط في شعره بين العالم المرئي والعالم المستكن في أعماق النفس، وبذلك وضع بعض المعايير للشعر وهي: عدم المحاكاة التامة في الشعر والتي بدورها تنفي الشخصية وبذلك ينفرد الشاعر بشخصيته فيحقق المطلوب منه . المحافظة على قواعد الشعر والتي من بينها الوزن والقافية . التأمل في الظواهر الطبيعية ببصيرة واعية حتى يتسنى للشاعر إدراك ما بين النفس وما بين هذه الظواهر من علاقات . نجد أن منهج العقاد في الشعر هو منهج ناقد قائم على التفسير النفسي . من شعر العقاد نستطيع معرفة فلسفة حياته التي اختارها لنفسه. إذ نجده يقبل الحياة بخيرها وشرها، وبنعيمها وشقائها ولا ينحاز لجانب فيغلب عليه وقد بينت ذلك في بعض أشعاره في السابق . القضية الثانية : الذاتية والموضوعيةوالمفكر العربي المعاصر عباس محمود العقاد يعتبر من أنصار الذاتية، فقد قاد قافلة فن الشعر الغنائي إلى الذاتية وذلك بما سماه : " شعر الفكرة " مستندا في ذلك إلى أن الشعر ينبع من داخل الإنسان، حيث أعطاه حرية التعبير عن ذاته مع التزامه بالاحتفاظ بالقالب الموسيقى للقصيدة العربية لقد تكلم العقاد عن الاعتزاز بالشخصية الذاتية، حيث يرى أن الذاتية هي الغاية من الرقي والرقي هو الانتقال من وجود بغير ذات إلى وجود له ذات. وقد دلل على ذلك بالترتيب الذي ذكره، والذي بدأه بالجماد حتى وصل إلى الإنسان، وإذا كان الفن ينشد الكمال الموضوعي فإنه أولا يهدف إلى النجاح الذاتي، وقد تكلم العقاد عن إعجابه بلوحة لفنان رسم فيها امرأة أمام قبر زوجها، وأشار إلى الطريقة التي جسد بها الفنان حركات النفس المعنوية دون مبالغة، وهذا كله من خلال ذات الفنان وإحساسه الداخلي بالمشاعر التي أخرجها في لوحته. لكننا لانعدم ميلا واضحا لدى العقاد في تأكيد الجانب الموضوعي، فإذا كانت الموضوعية هي مثول للإدراك بينما الذاتية هي تدخل الذات وتفاعلها مع الموضوع، وحتى في مغزى الفن إن لم يكن موضوعيا يناقش قضايا عامة أو يعالج قصورا معينا فلا نفع منه، وإن لم يكن نابعا من ذات فنانة تضيف إليه مسحة من جمال لما حسب فن أصلا ولذلك فالموضوعية مكملة للذاتية في الفن حتى يعطي الفن دوره المنوط به في المجتمعات البشرية ويؤدي رسالته على أكمل وجه . القضية الثالثة: علاقة الفن بالمجتمع ومن آراء العقاد في هذا الصدد إنكار فكرة أن الفنون والآداب هي مجرد كماليات وقد دلل على ذلك بأن الأمة التي بلا علم أمة جاهلة ولكنها مع جهلها قد تكـون على خلق عظيم ، والأمة التي لا صـناعة لها قد تكـون أمة صحيحة الحس والتفكير أما الأمة التي بلا فنون فهي أمة مهزولة مشرفة على الموت، لأن الفنون هي تعبير الأمم عن الحياة. وهذا دليل قاطع على أن الفن مربوط بالمجتمع ربطا مباشرا. القضية الرابعة: علاقة الفن بالحرية تكـلم فـي البداية عـن العلوم التي تملصت من قيود الحرية وكيف تقدمت وأثمرت، وكذلك نوه عن التأخر في العلوم العمرانية والأخلاقية والشرعية والدينية وذكر بأن سبب تأخرها راجع إلى عدم حرية الناس في الكـلام عنها، ولـقد ركز على القضاء على العقبات التـي تعـوق تحقيـق الجمال وذلك بالقضاء على المحاكاة والتقليد والتخلص من الشعور بالعبودية أمام القيود التي تفرضها طبيعة العمل الفني، وقد دلل على ذلك بوصفه للجسم الإنساني وكيف أن أعضاءه حرة في حركتها وذكر أيضا بأن الجسم الجميل هو الجسم الحر وربط كلامه بذكر الحسناء ورشاقتها، وخفة حركتها وهذا دليل على حرية جسدها حيث تزن نفسها في أعضائها بميزان لا خلل فيه. كذلك وصفه للملمس الناعم الذي تنساب عليه اليد فلا تجد ما يعيق حركتها، والصوت الذي يخرج من الحنجرة فنطرب له ونصفه بالصوت الحر السالك الذي عندما تسمعه تعرف بأنه خرج من حنجرة لا عرقلة فيها، وهذا ينطبق على الفكر الجميل الذي يخلو من الخرافات والجهالة حيث لا يصده شيء في الوصول إلى وجهته التي وجه إليها، والفنون الجميلة هي التي تشبع فينا حاسة الحرية، وأننا نحب الحرية عندما نحب الجمال، وأننا أحرار عندما نعشق من قلوب سليمة صافية. والفن لا يعني عند العقاد أن يكون بسيطا عندما يكون حرا، فأغاني الصبية لا توازي أغاني شكسبير في المرتبة، لأن الحرية لا تعني السلبية والعجز والتلقي البسيط والنقل الساذج من الواقع، ولهذا كان التقليد في الفن قبيحا في نظر العقاد، وكان الاكتفاء بالنقل عن الطبيعة من أضعف مراتب الفن لأنه مثل عمل الآلات الجامدة، وليس عمل النفوس الحية. ورغم ذلك فالحرية عند العقاد مربوطة بقواعد، حيث ذكر بأن النشاط الفني إنما هو إحالة العوائق إلى وسائط والحرية عـنده لا تنهض بغير قيود لكن قيودها من داخلها ولا تفرض عليها من خارجها، فالحرية تنتج قوانينها الذاتية الخاصة بها، فقيود الشعر مثلا من وزن وقافية هي التي تسمح للشاعر بأن يعرب عن طلاقة نفسه، ومن هذا المنطلق هاجم العقاد الشاعر المتحرر من القافية والوزن كما هاجم المدارس الفنية الحديثة كالمستقبلية والتعبيرية والوحشية والسريالية من حيث إن هذه المدارس أعطت الحرية المطلقة للفنان في التعبير والتي يرفضها العقاد فالحرية عنده لابد أن تكون وفق ضوابط ولكل فن ضوابطه الخاصة به، والتي تخدم الفن بدلا من هدمه، فالشعر بلا وزن وقافية إنما هو نثر أو كلام عادي والرسم بلا ضوابط كالنسبة والتناسب والكتلة والحجم هو خروج عن المألوف لا جمال فيه. هذه كانت الخطوط العريضة في فكر العقاد وفلسفة الفن لديه كمحاولة للإضافة المكتبية العربية، أرجو أن تكون هذه الدراسة جادة ومثمرة في تحليل شخصية من أهم الشخصيات في الفكر العربي المعاصر التي أفردت للفن اهتمامًا خاصًا في حيز اهتماماتها فكانت افكاره اضافة حقيقية لفلسفة الفن بشكل عام وللفكر العربي المعاصر بشكل خاص طموحًا من الباحث في أن تكون هذه الدراسة مزدوجة التخصص بين الفكر العربي المعاصر وفلسفة الفن والجمال، وأرجو من الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في هذا البحث ملتمسًا من القارئ الكريم والأساتذة الأفاضل العذر في مواطن القصور، والله من وراء القصد.
عبدالسلام أحمد مولود أبوحميده(2012)
Publisher's website

الخطاب الفلسفي بين الغزالي وابن رشد " دراسة تحليلية مقارنة "

في نهاية هذا البحث أرى أنه من الضروري عقد مقارنة بين رأيي الغزالي وابن رشد قبل ذكر نتائج هذا البحث . أولاً: نقاط الإتفاق والإختلاف بين الغزالي وابن رشد : نقاط الإتفاق : يتفق ابن رشد والغزالي في طريقة عرض المسائل والموضوعات، فكما عرض الغزالي آراء المشائين، وفند أدلتهم للرد عليها ؛ كذلك فعل ابن رشد في كتابه حين عرض لأراء الغزالي وفندها للرد عليها أيضاً محاولاً الدفاع عن موقف سلفه من المشائين. كما يذهب الغزالي في الدليل الأول من المسألة الأولى إلى القول بجواز تراخي المفعول عن إرادة الفاعل ولا يجيز تراخيه عن فعل الفاعل المختار، نجد ابن رشد يسلم معه بالقول بذلك إذ يقول: " وتراخي المفعول عن إرادة الفاعل، جائز، وأما تراخيه عن فعل الفاعل له، فغير جائز . "(1) يتفق كل منهما في القول بأن تقدم الباري سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، إذ لو كان القول بذلك غير صحيح لكان هناك فاصل بين الله والعالم هو الزمان وكان قبل الزمان الذي وجد فيه العالم زمان، وهكذا تتسلسل إلى مالا نهاية له وهذا محال . لذا ذهب الغزالي إلى القول بأن: (( . . . الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلاً، ومعنى قولنا: إن الله متقدم على العالم والزمان، أنه سبحانه كان ولا عالم ثم كان ومعه عالم، ومفهوم قولنا: كان ولم يكن معه عالم، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط ؛ ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط فنعني بالتقدم انفراده بالوجود فقط ؛ والعالم كشخص واحد، ولو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلاً ثم كان وعيسى معه، لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم وجود ذات، ثم وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث. ))(2) . ويقول ابن رشد: (( . . . فتقدم أحـد الموجودين على الآخر أعنى الـذي ليس يلحقه الزمان ؛ ليس تقدماً زمانياً، ولا تقدم العلة على المعلول اللذين هما من طبيعة الموجود المتحرك، مثل تقدم الشخص على ظله، ولذلك كل من شبه تقدم الموجود غير المتحرك على المتحرك بتقدم الموجودين المتحركين أحدهما على الثاني فقد أخطأ، وذلك أن كل موجودين من هذا الجنس، هو الذي إذا اعتبر أحدهما بالثاني، صدق عليه أنه: إما أن يكونا معاً، وإما أن يكون متقدماً عليه بالزمان، أو متأخراً عنه، والذي سلك هذا المسلك من الفلاسفة هم المتأخرون من أهل الإسلام ؛ لقلة تحصيلهم لمذهب القدماء. ))(1) -يسلم ابن رشد بما ذهب إليه الغزالي من أن الأمر الثالث الذي يتصوره الفلاسفة ( الزمان ) ما هو إلا من عمل الوهم وليس له وجود بذاته ولا له وجود خارج النفس، فالزمان: (( نسبة لازمة بالقياس إلينا . . . ))(2) إذ هو شيء يفعله الذهن في الحركة، والحركة لا يمكن إبطالها، والزمان كذلك ولا يمتنع وجود الزمان إلا مع الموجودات التي لا تقبل الحركة، وأما تقدير وجود الموجودات المتحركة فلا ينفك عنها الزمان ضرورة وهذا ما أوضحه ابن رشد بقوله: (( إن الموجود نوعان: أحدهما من طبيعته الحركة والآخر ليس من طبيعته الحركة . . . ))(3) . يتفق الفيلسوفان في القول بأن تعدد الأنواع والأجناس يوجب التعدد في العلم وأن عقلنا الإنساني يستمد علمه من الموجودات الجزئية لأنه (( عقل منفعل ومعلول ))(4)، أما علم الله فهو (( فعل محض وعلة ؛ فلا يقاس علمه على العلم الإنساني ))(5) . وفي المسألة الثالثة يتفق كل منهما في القول أن النفس لا تفنى بفناء الجسد وإنما تبقى بعد الموت، كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية وإنه لا بد من الإيمان بعودة النفوس إلى أمثال أبدانها لا عين أبدانها وهذا ما عبر عنه الغزالي بقولـه: (( . . . لأنه مهما انعدلت الحياة، فاستئناف خلقها، إيجاد لمثل ما كان، لا لعين مـا كان، بل العود المفهوم، هو الذي يفرض فيه بقاء شيء، وتجدد شيء، كما يقال فلان عاد إلى الإنعام أي أن المنعم باق، وترك الإنعام، ثم عاد إليه، أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس، ولكنه غيره بالعدد، فيكون عوداً بالحقيقة إلى مثله، لا إليه، ويقال: فلان عاد إلى البلد، أي بقي موجوداً خارج البلد، وقد كان له كونٌ في البلد، فعاد إلى مثل ذلك. . . ))(1)، وأيده فيه ابن رشد بقوله: (( وأن يضع أن التي تعود هي أمثال هذه الأجسام التي كانت في هذه الدار لا هي بعينها، لأن المعدوم لا يعود بالشخص، وإنما يعود الموجود لمثل ما عدم، لا لعين ما عدم . . . ولذلك لا يصح القول بالإعادة، على مذهب من اعتقد من المتكلمين أن النفس عرض، وأن الأجسام التي تعاد هي التي تعدم، وذلك أن ما عدم ثم وجد، فإنه وجد بالنوع، لا واحد بالعدد، بل اثنان بالعدد . . . ))(2) نقاط الاختلاف : الاختلاف في النشأة، حيث يوجد اختلاف كبير بين الفيلسوفين وظروف عصريهما : - فبينما كانت حياة الأول منذ بدايتها حياة فقر وزهد، وسعى لطلب العلم في مختلف المجالات وفي أي مكان، كانت حياة الثاني حياة هدوء وسكينة، فقد نشأ في بيت جاه، وكان طلبه للعلم ميسراً، فلم يحتج إلى السفر إلى أي مكان لتحصيل العلم ؛ بل درس الفقه والطب والفلسفة في قرطبة مسقط رأسه . الإختلاف في الفكر : بينما اتجه فكر الغزالي إلى التصوف والدفاع عن الدين والعقيدة الإسلامية الصحيحة، اتجه فكر ابن رشد إلى الفلسفة مدافعاً عنها وعن فلاسفتها المشائين . الإختلاف في المسائل الثلاث : يرى الغزالي ليس استحالة تأخر المعلول عن علته في الموجَب والموجِب الضروري الذاتي فحسب بل في العرفي والوضعي أيضاً، وقد مثل لذلك بمسألة الطلاق(1)، بينما نجد ابن رشد يرى أن الأمر في الوضعيات ليس كالأمر في العقليات إذ (( لا نسبة للمعقول، من المطبوع في ذلك المفهوم إلى الموضوع المصطلح عليه ))(2) . وفي حين يرى الغزالي أن كل ما هو مدرك بمعرفة أولية يجب أن يعترف به جميع الناس، يرى ابن رشد أنه ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس لأنه ليس أكثر من كونه مشهوراً، ولا يلزم فيما كان مشهوراً أن يكون معروفاً بنفسه . بينما يذهب الغزالي إلى القول بنسبية حركة الأفلاك، وتقسيمها إلى شفعية ووترية، يرى ابن رشد أن هذا لا ينطبق إلا على الأمور المحدثة ذات البداية والنهاية ولا يصح البتة إطلاقه على ما لا نهاية له لأن المحدث وحده يخضع للتجزئة والتقسيم كما أنه لا يسعنا أن نفترض وجود اللحظة الأولى التي تحرك فيها العالم، وبما أن الزمان هو مقياس الحركة، والحركة الأزلية ناشئة عن العالم، فإن العالم الذي صدرت عنه الحركة أزلي أيضاً . يرى الغزالي، بأن أخد أحد الشيئين المتماتلثين هو تمييز الشيء عن مثله(3)، نجد ابن رشد يرى أن أخذ أحد الشيئين المتماتلثين ليس تمييز الشيء عن مثله، (( وإنما هو إقامة المثل بدل مثله، فأي منهما أخذه بلغ مراده، وتم له غرضه، فإرادته إنما تعلقت بتمييز أخذ إحداهما عن الترك المطلق، لابأخذ أحدهما وتمييزه عن ترك الآخـر . ))(4)هـ-بينما يتفق – الغزالى وابن رشد – فى القول بأن تقدم البارى سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، نجدهما يختلفان فى نوع التقدم ففي حين يقول الأول: بأن تقدم الأول على التانى تقدم بالذات. يقول الثـانى: بنوع آخر من التقدم دون أن يحدد هذا النوع من التقدم إذ يقول: (( فإذن تقدم أحد الموجودين على الآخر هو تقدم الوجود الذى هو ليس بمتغير ولا فى زمان على الوجود المتغير الذى فى الزمان، وهو نوع آخر من التقدم . ))(1) في الدليل الثالث بينما يسلم الغزالي - من أجل إثبات حدوث العالم - بأن العالم قبل وجوده كان له إمكانات غير متناهية بالعدد إذ يقول: (( العالم لم يزل ممكن الحدوث، فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور إحداثه فيه . . . ))(2)، ومعنى ذلك هو أن يكون قبل هذا العلم عالم وقبل العالم الثاني عالم ثالث وغير ذلك إلى غير نهاية له، نجد ابن رشد يبطل ذلك، فيرى أنه من المحـال أن يكون قبل هذا العالم عالم آخر وهكذا إلى غير نهـاية له، لأن ذلك (( يلزم أن تكون طبيعة هذا العالم طبيعة الشخص الواحد الذي في هذا العالم الكائن الفاسد، فيكون صدوره عن المبدأ الأول بالنحو الذي صدر عنه الشخص، وذلك بتوسط متحرك أزلي و حركة أزلية، فيكون هذا العالم جزءاً من عالم آخر، كالحال في الأشخاص الكائنة الفاسدة في هذا العالم، فبالإضطرار إما أن ينتهي الأمر إلى عالم أزلي بالشخص، أو يتسلسل، وإذا وجب قطع التسلسل، فقطعه بهذا العالم أولى، أعني بإنزاله واحداً بالعدد أزلياً ))(3) . بينما يرى الغزالي في الدليل الرابع أن الإمكان والإمتناع والوجوب (( قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفاً له . . . ))(1)، إذ لو احتاج الإمكان إلى وجود شيء لاحتاج الإمتناع إلى وجود شيء يضاف إليه، وكذلك نفوس الآدميين المجردة، وكذلك السواد والبياض، نجد ابن رشد يؤيد رأي الفلاسفة ويقول بقولهم : إن الإمكـان يستدعي شيئاً يقوم به هو المحل القـابل للشيء الممكن، وهذا بين عنده لأن المعقولات الصادقة لابد أن تستدعي أمراً موجوداً خارج النفس . فعند قولنا بأن ذلك الشيء ممكناً يقتضي شيئاً يوجد فيه هذا الإمكان، وأن الممتنع كالممكن أيضاً لابد له من موضوع وهذا بين أيضاً عنده لأن الممتنع والممكن متقابلان، والأضداد المتقابلة لابد لها من شيء، وبما أن الإمكان يستدعي موضوعاً، فإن الإمتناع الذي هو سلب الإمكان يستدعي موضوعاً أيضاً، ويضرب مثلاً لذلك فيقول (( فإن وجود الأبعاد المفارقة ممتنع خارج الأجسام الطبيعية أو داخلها ونقول: إن الضدان ممتنع وجودهما في موضوع واحد، ونقول: إنه ممتنع أن يوجد الإثنان في واحد . . . ))(1) يختلف كل منهما عن الآخر في أمر الإمكان هل هو أمر ذهني أم له وجود خارج النفس، فبينما يذهب الغزالي إلى القول أن الإمكان أو أن الأمر الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج، يذهب ابن رشد إلى القول أن الإمكان له وجود في الخارج لأنه نابع عن جزئيات موجودة خارج النفس(2) . بينما يرى الغزالي أن العلم شيء والمعلوم شيء آخر، فالمعلوم يطلق على الشيء الموجود، ويطلق العلم على إدراك هذا الشيء، بحيث لو فقد العلم أو لم يدرك الشيء لم يفقد المعلوم، يرى ابن رشد أن العلم والمعلوم شيء واحد . أما فيما يتعلق بمسألة الجزئيات، يرى الغزالي أن تعدد الأنواع والأجناس تقتضي تعدداً في العلم كما تقتضيه الأشخاص المتعددة(3)، في حين يقول ابن رشد: أن علم الأنواع والأجناس الثابتة ثابت أيضاً ولا يوجب تغيراً، أما فيما يختص بقيـاس علم الأشخاص بعلم الأنواع فيقول الغزالي بأن العلم في كليهما علم واحد بينما يرى الخصم ابن رشد أنه قياس لا طائل تحته لأن هذين العلمين مختلفين والإشتراك اسمى وبمعنى التعدد، وفـي هذا يقول: (( . . . إنمـا يجتمعان: أعني الكلية والجزئية في ثانياً: النتائج : بعد هذه الرحلة الطويلة من الإطلاع والقراءة تبدى للباحثة حقائق ونتائج منها: إن كل خطاب فكري لا ينشأ طفرة بل لابد له من مرتكز ومستند فكري وسياسي واجتماعي يمكّنه منأن ينحو المنحى الذي يطبعه ويميزه . على الرغم من موقف الغزالي الشديد من الفلسفة والفلاسفة إلا أنه لا يخفى أنه لم يسع إلى هدم الفلسفة كمنهج من مناهج العقل، أو أنه حارب الفلسفة من حيث هي علم تفسير بل إنه حارب التيار الهيليني الوثني المجافي لروح الإسلام، وأكبر دليل على ذلك هو تأليفه في الفلسفة كتابيه المشهورين " مقاصد الفلاسفة، و تهافت الفلاسفة "، وعلى الرغم من أنه كان يقصد بكتابيه الرد على الفلاسفة، وبيان تهافتهم إلا أن النقد والرد عليهم يعتبران فلسفة في حد ذاتها، وذلك أنه استخدم نفس الآلة التي استخدموها وهى العقل . من خلال اطلاعنا على كتاب تهافت الفلاسفة نستطيع أن نتبين الآتي : إن هدف كتاب تهافت الفلاسفة هو إظهار العقل بمظهر العاجز عن اقتناص الحقائق الإلهية، ولهذا، يحاول الغزالي فيه أن ينتزع ثقة الناس من العقل كمصدر تتعرف منه المسائل الإلهية ولكن الغزالي إذ يحاول، تقييد سلطة العقل يتخذ من العقل نفسه مطية للوصول إلى هذه الغاية . فإذن عمله هذا هو محاولة عقلية لإثباث قصور العقل في ميدان الإلهيات، وشهادة بأن العقل حدّاً يجب الوقوف عنده. إن الغزالي في سلوكه مع الفلاسفة لم ينحرف بآرائهم عن وضعها الصحيح، بل إنه قد أظفى عليها إشراقاً وصفاء . عرضه لأدلة الفلاسفة في صورة دقيقة وواضحة . إن ابن رشد حين دافع عن موقف الفلاسفة إنما اختار لنفسه جانباً خاصاً يمكن أن نجمله في الآتي : -قبوله ما رآه صحيحاً من الأدلة التي تقدم بها الغزالي في كتابه ذاكراً أنها أدلة الفلاسفة لمذهبهم ورفض مالا يراه صحيحاً منها . الرد على ما وجهه الغزالي من اعتراضات على تلك الأدلة . التقدم بأدلة أخرى لتأييد رأي الفلاسفة . إن كتاب تهافت التهافت ليس مخصصاً للبرهنة بل لرد هجوم الغزالي، وبيان أن أكثر ما جاء به لا يرتفع إلى مرتبة اليقين والبرهان، بل كلها معارضات سفسطائية مشوشة كما يقول . كتب ابن رشد كتابه تهافت التهافت للرد على كتاب الغزالي السابق الإشارة إليه، وعلى كل من هاجموا الفلاسفة والفلسفة وأكد منذ البداية على أن من واجب الجميع أن يحترموا الفلسفة ويقدروا الفلاسفة، حتى إذا ما اختلفنا معهم أو حتى إذا أخطأوا، فالواجب فيما يرى ابن رشد أن لا ننكر فضلهم في النظر العقلي، فلو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجباً علينا وعلى جميع من عرف هذه الصناعة أن يشكرهم عليها وأن يستفيد منها . أما فيما يتعلق بالمسائل التي أخذها الغزالي على الفلاسفة فقد رد عليها ابن رشد مسألة بعد أخرى، مؤكداً أنه من الضروري فيما يتعلق بفكرة الألوهية أن نخاطب الناس على قدر عقولهم وأن نميز بين تصويرين متميزين، أحدهما للعامة والآخر للخاصة، الأول خطابي والآخر برهاني، وقد عاب على المدارس الكلامية أنهم بلبلوا أذهان العامة وعقدوا الأمور على الجماهير، كما عاب على الغزالي أنه كشف في تهافته عن أمور كان الأولى أن تقتصر على الخاصة وألا يشغل بها العامة. إن اسم الكتاب (تهافت التهافت) لا يحمل في طياته مجرد الدلالة على الكتاب فقط بل على موضوع الكتاب، والبواعث التي دفعته لتأليفه، ففيه يقلب الحقائق على مختلف وجهاتها، فيكشف عن مقاصد الفلاسفة حيناً، ويستجلي ضلالتهم في فهم أرسطو حيناً آخر، ويرفع عنهم تهمة الكفر التي ألحقها بهم الغزالي في مسائل ثلاث خالفوا فيها أصول الدين، مبيناً بعد ذلك موقفه من كل منها . إن الذي يطلع على كتاب تهافت التهافت يمكنه أن يتبين في رد ابي الوليد ثلاثة أقسام: استصواب كلام خصمه في أحدها، وخطأه في القسم الثاني مؤيداً الفلاسفة، والثالث بين فيه مواضع خطأ الغزالي في أنه نسب إليهم ما لم يقولوه، فنقض ما نسب إليهم فأصاب وأخطأ في النسبة . إن أسماء الكتابين دليل واضح على طبيعة الخطاب بينهما، والذي يزداد وضوحاً عند عملية المقابلة بين دفتي هذين الكتابين وهي عملية مقابلة الرأي بالرأي، والدليل بالدليل . إن كلا الكتابين يكمل كل منهما الآخر و يؤلفان كلاً لا يتجزأ، فإذا ذكر أحدهما ذكر الآخر، ولا تعرف قيمة تهافت التهافت إلا بمعرفة تهافت الفلاسفة . إن التراث العربي لا يخلو من أمثال هذين الكتابين، فهاهو (خواجه زاده) المتوفي سنة (893هـ) ألف كتاباً سماه (تهافت الفلاسفة) أيضاً، وقد ألفه بإشارة من السلطان محمد الفاتح العثماني، وهو كتاب جاء للتحكيم بين الغزالي وابن رشد، فيما اختلفا فيه من مسائل . إن الغزالي وابن رشد يكادان يتفقان نوعاً ما في الأسلوب والطريقة في عرض مسائل الكتاب، فطريقة ابن رشد طريقة جدلية كطريقة الغزالي إلا أنها أدق منها من حيث تفنيدها بنقد نص بعينه، والدليل على ذلك أن الغزالي إذا عرض إحد نظريات الفلاسفة ذكر أدلتهم كما فهمها ثم أورد اعتراضه عليها وفندها وأتى بأحكام مناقضة لها، أما ابن رشد إذا ذكر نصاً للغزالي يكتفي بذكر أول ذلك النص وآخره خوفاً من الإطالة ثم أوجزه وأوضحه وفنده وخطأ قائله، كما تميزت طريقته بتحليله المسائل تحليلاً منطقياً جلياً مثبثاً تعريف الألفاظ وتطبيقاتها على ما هو متنازع عليه، أو ما ساده غموض بين الطرفين المتخاصمين . ذا كانت مسألة قدم العالم وحدوثه تحتل مركزاً ممتازاً في تاريخ الفكر الفلسفي عامة والفلسفة الإسلامية خاصة، فإن مسألة العلم الإلهي ومسألة حشر الأجساد لاتقل أهمية عنها، إذ يعد البحث في هاتين المسألتين على جانب كبير من الأهمية ودليل ذلك هو أن دراسة هذين الموضوعين قد شغلا متكلمي وفلاسفة العرب زماناً طويلاً وأن البحث فيهما يعد من البحوث العويصة في حد ذاته، ودليل هذا أننا نجد المتكلمين والفلاسفة قد خصصوا مبحثاً محدداً لدراسة هذين الموضوعين في مؤلفاتهم، بالإضافة إلى تضارب الآراء حولهما تضارباً شديداً، وذهاب كل فرقة مذهباً معيناً يختلف في كثير أو في قليل عن بقية الآراء والمذاهب الأخرى . لم يستطع ابن رشد أن يهدم اعتراضات الغزالي على الفلاسفة في مسألة قدم العالم كما كان يتوقع ذلك، وذلك لأن القول بالحدوث أقرب إلى العقل والنقل منه بالقول بالقدم خاصة بعد أن أثبته العلم في العصر الحديث . ظهرا الإمام الغزالي وابن رشد مقدرة فائقة في التحليل والنقاش وتقصي الحقائق من خلال كتابيهما المشهورين في جميع المسائل وخاصة في مسألة قدم العالم وحدوثه، الأمر الذي يشهد له كثير من المفكرين في القديم والحديث بأنهما أهل لأن يحتلا مكاناً مرموقاً في تاريخ الفكر الفلسفي على وجه العموم . إن المحاورات الفكرية بين الفلاسفة من جهة وبين الفقهاء والمتكلمين من جهة أخرى، وبين كل واحد من هؤلاء أو أولئك إنما تمثل ظاهرة فكرية صحيحة برهنت على حيوية المسلمين وإعمالهم للعقل وللإجتهاد في كل شيء، وقد كان ذلك الصدام الشهير بين الغزالي وبين الفلاسفة السابقين عليه من جهة، وبين الغزالي وابن رشد من جهة أخرى أكثر دلالة على أن الخلاف والإجتهاد في الرأي لم يكن يفسد للود قضية بين مفكري العالم الإسلامي، وذلك كان تعبيراً حياً على مدى وعي المفكرين المسلمين وفهمهم العميق لدينهم ودنياهم في آن واحد. هذا هو جهدي المتواضع في تناول هذا الموضوع الشائك، فإن وفقت فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وعذري أني حاولت .
عائشة يوسف الدوكالي عرعارة(2007)
Publisher's website